يناقش الباحث تسيغاعب أماري أبعاد  حكومة السيسي تجاه السودان في ظل الحرب الدائرة هناك، ويربط بين التحركات العسكرية المصرية والمصالح الاستراتيجية المرتبطة بحوض النيل وسد النهضة الإثيوبي. ويرى الكاتب أن فهم السلوك المصري في السودان يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من الاعتبارات الأمنية المباشرة، وصولًا إلى التنافس الإقليمي على النفوذ والموارد.

 

ويشير تقرير هورن ريفيو إلى حادثة وقعت في يونيو 2026 قرب الحدود المصرية السودانية، حيث استهدفت غارات جوية مواقع للتعدين الأهلي عن الذهب في ولاية نهر النيل السودانية، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وفق روايات محلية. ورغم غياب إعلان رسمي يحدد الجهة المسؤولة، يضع التقرير الحادثة ضمن سياق أوسع من النشاط العسكري المصري المتزايد داخل الأراضي السودانية وعلى امتداد الحدود المشتركة.

 

تصاعد الحضور المصري في السودان

 

يرى الكاتب أن النشاط العسكري المصري في السودان لم يعد يقتصر على حماية الحدود، بل أصبح جزءًا من استراتيجية أوسع لتعزيز النفوذ الإقليمي. وتشير تقارير متعددة إلى مشاركة طائرات مصرية في عمليات استهدفت خطوط إمداد عسكرية داخل السودان خلال العامين الماضيين، في وقت عززت القاهرة دعمها السياسي والعسكري للجيش السوداني.

 

ويستعرض التقرير قضية مثلث حلايب وشلاتين بوصفها نموذجًا لفهم المقاربة المصرية تجاه المناطق الحدودية. فإلى جانب الاعتبارات الأمنية، تبرز أهمية الموارد الطبيعية، خاصة الذهب والثروات البحرية، باعتبارها عنصرًا رئيسيًا في حسابات الدولة المصرية. ولهذا تتداخل ملفات الأمن والاقتصاد والسيادة بصورة متزايدة في إدارة القاهرة للمناطق الحدودية مع السودان.

 

ويؤكد الكاتب أن مصر تنظر إلى السودان باعتباره عمقًا استراتيجيًا يرتبط مباشرة بأمنها القومي ومصالحها الإقليمية، وليس مجرد دولة مجاورة تربطها بها حدود مشتركة.

 

سد النهضة وإعادة تشكيل موازين القوى

 

يربط التقرير بين السياسة المصرية في السودان والتحولات التي أحدثها سد النهضة الإثيوبي الكبير في معادلات حوض النيل. فطوال عقود استند النفوذ المصري إلى ترتيبات مائية تاريخية منحت القاهرة موقعًا متميزًا في إدارة موارد النهر، غير أن اكتمال مشروع السد وتدشينه غيّر البيئة الاستراتيجية في المنطقة.

 

ويشير الكاتب إلى أن القضية لم تعد تتعلق فقط بتقاسم المياه، بل أيضًا بإعادة توزيع النفوذ السياسي والاقتصادي داخل حوض النيل. فالسد يمنح إثيوبيا فرصًا لتعزيز صادرات الطاقة الكهربائية وتوسيع نفوذها الاقتصادي وربط دول الجوار بشبكات بنية تحتية مشتركة، الأمر الذي يخلق واقعًا إقليميًا جديدًا يحد من أدوات التأثير التقليدية التي اعتمدت عليها القاهرة.

 

ومن هذا المنطلق، يفسر التقرير الدعم المصري للجيش السوداني باعتباره جزءًا من محاولة الحفاظ على شريك إقليمي يتبنى مواقف قريبة من الرؤية المصرية في ملف النيل، خاصة في ظل تراجع القدرة على التأثير المباشر في مسار مشروع سد النهضة.

 

الاقتصاد والحرب ومعادلة النفوذ

 

يتناول الكاتب البعد الاقتصادي للعلاقة بين القاهرة والخرطوم خلال سنوات الحرب، مشيرًا إلى اتهامات أطلقها سياسيون سودانيون حول انتقال كميات من الذهب السوداني إلى الأسواق المصرية، إضافة إلى استمرار تدفق المنتجات الزراعية والثروة الحيوانية بأسعار منخفضة إلى مصر.

 

ويرى التقرير أن استمرار حالة الضعف والانقسام داخل السودان يمنح الأطراف الخارجية مساحة أوسع لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية. كما يسمح بفرض ترتيبات غير متكافئة في مجالات التجارة والوصول إلى الموارد مقارنة بما يمكن أن تفرضه دولة مستقرة تتمتع بسيادة كاملة.

 

وفي هذا السياق، تكتسب الهجمات التي تستهدف مناطق التعدين الأهلي أهمية خاصة، لأن آلاف السودانيين يعتمدون على هذا النشاط كمصدر رئيسي للدخل في ظل الحرب والنزوح وتراجع الفرص الاقتصادية. ويؤدي أي استهداف لهذه المناطق إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في البلاد.

 

ويخلص الكاتب إلى أن السؤال الرئيسي لا يتعلق بوجود مخاوف أمنية مصرية مشروعة على حدودها الجنوبية، بل بمدى ارتباط تلك المخاوف بمصلحة أوسع تتمثل في الإبقاء على السودان داخل دائرة الاعتماد السياسي والاقتصادي. ويعتبر أن مستقبل العلاقة بين البلدين سيظل مرتبطًا بموازين القوى الجديدة التي فرضها سد النهضة وبقدرة السودان على استعادة الاستقرار والسيادة الكاملة على قراره الوطني.



https://hornreview.org/2026/06/18/egypts-sudan-intervention-and-the-geopolitics-of-dependency/